قال العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :
الكلام في أهل البدع ومن عندهم أفكار غير سليمة أو منهج غير مستقيم ، هذا من النصيحة وليس من الغيبة ، بل هو من النصيحة لله ولكتابه ولرسوله وللمسلمين ، *فإذا رأينا أحداً مبتدعاً ينشر بدعته، فعلينا أن نبين أنه مبتدع حتى يسلم الناس من شره ، *وإذا رأينا شخصاً عنده أفكار تخالف ما كان عليه السلف فعلينا أن نبين ذلك حتى لا يغتر الناس به ، *وإذا رأينا إنساناً له منهج معيّن عواقبه سيئة علينا أن نبيّن ذلك
حتى يسلم الناس من شره ، وهذا من باب النصيحة لله ولكتابه ورسوله ولأئمة والمسلمين وعامتهم. وسواء كان الكلام في أهل البدع فيما بين الطلبة أو في المجالس الأخرى فليس بغيبة ، وما دمنا نخشى من انتشارهذه البدعة أو هذا الفكر أو هذا المنهج المخالف لمنهج السلف يجب علينا أن نبين حتى لا يغتر الناس بذلك .
وسُئل رحمه الله : بالنسبة للعالم الذي عرف أنه من أهل السنة والجماعة وعرف أنه يتحرى الحق، وأخطأ في أمور، ما يفرق بينه وبين من دائماً يعارض الكتاب والسنة، فيقال الثاني يشهر به وأما الأول يغتفر له ما وقع فيه من أخطاء وتأول فيها ؟
فأجاب رحمه الله : لا بد من نقد الباطل على كل حال ، فإذا كان لا يمكن الوصول إلى رد الباطل إلا بذكر اسمه ، يذكر اسمه . قال السائل : لأنه لايخفى عليكم أنه حتى من مشايخنا الكبار ومن أهل السنة من وقع في مفردات منهجه في أخطاء غاب الدليل عنه. فقال الشيخ ابن عثمين -مقاطعاً- يرد عليه. فقال السائل: يرد عليه لكن : التشهير به ؟! فقال الشيخ ابن عثيمين: في عصرنا إذا كان يتوقف رد باطله على ذكر اسمه ، لا بد من ذكر اسمه .
شعارهم ::: ريح راسك وذلك اذا كنت ترد شبهات وضلالات دعاتهم
وتبين الأدلة وأقوال العلماء التي تدحض شبهاتهم وضلالاتهم وتنكر وترد
أباطيلهم والفكر الضال ؛؛؛؛
ولكن مثل هذا الشعار لايرفعونه عندما يتطاولون على العلماء وولاة أمرنا
وجميع من خالف منهجهم بالسب والشتم واللمز وتكفير الناس والتفجير ؛
ولايرفعونه عندما يقوم دعاتهم بتهييج الناس بدعوى انكار المنكر على ولاة
أمرنا والمسؤولين وتأليب الرأي العام ؛؛ ولايرفعونه عندما يقوم دعاتهم
بتغرير الشباب والدفع بهم لمزالق التكفير والتفجير وتحريضهم لقتل الأبرياء
باسم الجهاد
وهذا الشعار لايرفعونه لدعاتهم عندما يتلقفون ويتبنون كل موضوع أو قضية
فيها مساس بأمن الوطن ووحدته مثل المظاهرات والاعتصامات وسجناء الارهاب
والتفجير أو تشجيع الانتحار ومحاولة زعزعة أمن البلاد بطرق ملتوية ؛؛؛
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد ،،،
يقول الأطباء: أول طريق العلاج يبدأ بالتشخيص الصحيح ولو أن الطبيب أخطأ في تشخيص المرض لكان وصفه للدواء حتماً خاطىء وبالتالي سيبقى المريض على حاله , هذا إن لم يزدد سوءا.
في زمننا هذا تم تلويث عقول الناس بأفكار سياسية ثورية لا تنطلق من فهم السلف الصالح للكتاب والسنة في الإصلاح , بل هي أفكار مستوردة من زبالات أفهام البشر في الشرق والغرب
فكثيرا , بل دائما تسمع وتقرأ أن ما يصيب الناس في أمور دنياهم مما يكرهون هو بسبب الحكام الظلمة المستبدين
وأن الأمة لن ينصلح حالها إلا بزوال هؤلاء الحكام ونشر العدل
والحق أن من يرددون هذا ( وما أكثرهم ) جهلة , هم كمن يعالج العرض ويترك حقيقة المرض
وأن الذين يجعلون الداء والدواء في الحكام يخدعون الناس ويخدروهم ويضلوهم
فانشغل الناس بالعمل السياسي من أحزاب ومنظمات , فضلا عن ظهور جماعات غلت في الدين واستخدمت العنف والقتل للوصول إلى السلطة بهدف الإصلاح ( زعموا )
فاتفق السواد الأعظم من علمانيين وإسلاميين حركيين على أن المشكلة تكمن في الحكام وإن اختلفت أهدافهم اليساري والليبرالي والأخواني والقاعدي والتحريري الخ... يرون
أن المشكلة في الحكام وأن الحل في تغييرهم !!
مع أن نصوص الكتاب والسنة تؤكد أن ما يصيب الناس مما يكرهون سواء من حكامهم أو من تسلط عدو عليهم إنما هو بما كسبت أيديهم ،وأن الحكام ما هم إلا نتيجة لأفعال العباد , إن خيراً فخير وإن شراً فشر
يقول الله تعالى ( وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) [الأنعام : 129]
و يقول سبحانه ( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) الآية
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم) الحديث . رواه ابن ماجة والحاكم وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة
وسأنقل لكم ما قاله الأمامان الربانيان ابن تيمية وابن القيم في هذا الشأن لتعلموا أن دعاة الحرية والديمقراطية ليسوا على شيء , وأن ما تسمعونه دائما من أن فساد الأمة بسبب حكامها وأن صلاح الأمة بزوالهم هو قول باطل
لا أقول هذا دفاعاً عن الحكام , بل الحكام مسؤولون أمام الله عن رعيتهم , وما أعظم مسؤوليتهم , كما قال نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام :( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته , فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته )الحديث . رواه البخاري ومسلم
حديثي هنا ليس عن المسؤولية إنما عن سبب تمكين حاكم قد يصدر منه ظلم أو تقصير في العدل أو استئثار بالمال أو فقر أو خوف أو سوء تدبير الخ... ولماذا يمكن الله لحاكم كهذا وبالتالي نهتدي إلى طريقة الإصلاح المبنية على الكتاب والسنة لا على الأفهام القاصرة , التي قد تنطلق معظمها من مطامع دنيوية بحتة وإن تزينت بشعارات الإصلاح
فمهما تغير الحكام , لن تصلح أحوال العباد إلا بصلاح العباد،
يقول تعالى (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ)[الشورى : 30]
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله( إقرأ وتأمل فالأمر غاية في الأهمية )
يقول :
(وَتَأمل حكمته تَعَالَى فِي أن جعل مُلُوك الْعباد وأمراءهم وولاتهم من جنس أعمالهم بل كَأن أَعْمَالهم ظَهرت فِي صور ولاتهم وملوكهم
فَإِن استقاموا استقامت مُلُوكهمْوَإِن عدلوا عدلت عَلَيْهِم وَإِن جاروا جارت مُلُوكهمْ وولاتهم وَإِن ظهر فيهم الْمَكْر والخديعة فولاتهم كَذَلِك وَإِن منعُوا حُقُوق الله لديهم وبخلوا بهَا منعت مُلُوكهمْ وولاتهم مَا لَهُم عِنْدهم من الْحق ونحلوا بهَا عَلَيْهِم
وَإِن أخذوا مِمَّن يستضعفونه مَالا يستحقونه فِي معاملتهم أخذت مِنْهُم الْمُلُوك مَالا يستحقونه وَضربت عَلَيْهِم المكوس والوظائف وَكلما يستخرجونه من الضَّعِيف يَسْتَخْرِجهُ الْمُلُوك مِنْهُم بِالْقُوَّةِ فعمالهم ظَهرت فِي صور اعمالهم
وَلَيْسَ فِي الْحِكْمَة الالهية ان يُولى على الاشرار الْفجار الا من يكون من جنسهم
وَلما كَانَ الصَّدْر الاول خِيَار الْقُرُون وابرها كَانَت ولاتهم كَذَلِك فَلَمَّا شابوا شابت لَهُم الْوُلَاة فَحكمه الله تأبى ان يولي علينا فِي مثل هَذِه الازمان مثل مُعَاوِيَة وَعمر بن عبد العزيز فضلا عَن مثل ابي بكر وَعمر بل ولاتنا على قَدرنَا وولاة من قبلنَا على قدرهم
وكل من الأمرين مُوجب الْحِكْمَة ومقتضاها وَمن لَهُ فطنة إِذا سَافر بفكره فِي هَذَا الْبَاب رأى الْحِكْمَة الإلهية سائرة فِي الْقَضَاء وَالْقدر ظَاهِرَة وباطنة فِيهِ كَمَا فِي الْخلق والامر سَوَاء
فإياك ان تظن بظنك الفاسد أن شَيْئا من أقضيته وأقداره عَار عَن الْحِكْمَة الْبَالِغَة بل جَمِيع أقضيته تَعَالَى وأقداره وَاقعَة على أتم وُجُوه الْحِكْمَة وَالصَّوَاب وَلَكِن الْعُقُول الضعيفة محجوبة بضعفها عَن إدْرَاكهَا كَمَا أن الأبصار الخفاشية
يحتج البعض بقول الألباني أن الحديث الضعيف ( كما تكونوا يولى عليكم ) معناه غير صحيح
إليكم ما قاله للشيخ الألباني رحمه الله في موضع آخر
( إذن، القضية ما لها علاقة بالحكام! لها علاقة قبل الحكام بالمحكومين. المحكومون هم في حقيقة أمرهم يليق بهم مثل هؤلاء الحكام، وكما يقولون: "دود الخل منه وفيه"، "دود الخل منه وفيه". هؤلاء الحكام ما نزلوا علينا من المريخ؛ وإنما نبعوا منَّا وفينا، فإذا أردنا صلاح أوضاعنا؛ فلا يكون ذلك بأن نعلن الحرب الشعواء على حكامنا، وأن ننسى أنفسنا. ونحن من تمام مشكلة الوضع القائم اليوم في العالم الإسلامي؛ لذلك نحن ننصح المسلمين أن يعودوا لدينهم، وأن يطبقوا ما عرفوه من دينهم؛ ويومئذ يفرحُ المؤمنون بنصر الله )
انتهى / سلسلة الهدى والنور رقم الشريط: 760
هؤلاء أئمة أعلام لم تتلوث عقولهم ولا مشاربهم بلوثات الفكر السياسي المعاصر ولا بالأهواء والمطامع الدنيوية الرخيصة
هذا هو الداء وهذا هو الدواء
والله أعلم وأحكم وهو سبحانه الهادي إلى سواء السبيل
نصيحة العلامة أحمد النجمي للشيخ العباد حول كتابه (رفقا أهل السنة بأهل السنة)
قال الشيخ العلامة مفتي جنوب المملكة أحمد بن يحيى النجمي -رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته-:
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ الفاضل العلامة: عبد المحسن بن حمد العباد البدر، المحترم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: أخي تلقيت منك اتصالا ليلة الخميس الموافق 10/ 5/ 1424هـ تعتب علي فيه، وتقول: أنك تلقيت مكالمة تحكي مكالمة صوتية، وأني قلت للسائل أنه لا يوزع هذا الكتاب الذي هو كتابك: (رفقا أهل السنة بأهل السنة) إلا مبتدع، وأنا أقول: يعلم الله أني لم أبدعك، ولم أقصد تبديعك؛ لأني أعتبرك من أهل السنة المجاهدين في نشرها، ولكني أعتبر تأليفك لهذا الكتاب إساءة إلى السنة التي ما زلت تقوم بنشرها، وتعليمها للناس من زمن، وإن كنت لم تقصد الإساءة إلى السنة قطعاً فيما أعتقد؛ ولكن كان زعمك فيما أظن الإصلاح بين الطرفين: الطرف المتحمس الذي يخرج بتحمسه عن الاعتدال، والطرف المعتدل، والله أعلم. ولكنك أسأت بتأليفك هذا الكتاب الذي يظهر منه تثبيط السلفيين عن الكلام في أهل البدع ونقدهم فيه. ثانيا: يظهر منه تخطئتك لهم فيما حصل منهم من الكلام في أهل البدع، وذمهم بذلك، وعيبهم به. ثالثا: بدل ما كان الكلام في أهل البدع قربة إلى الله من أعظم القرب جعلته جريمة من أعظم الجرائم، فقد قيل للإمام أحمد بن حنبل: "رجل يصلي، ويصوم، ويقرأ القرآن، ورجل يتكلم في أهل البدع، فقال: الذي يصلي، ويصوم، ويقرأ القرآن لنفسه، والذي يتكلم في أهل البدع للناس يعني منفعته تعود إلى الناس بأن يحذرهم من أهل البدع ". رابعا: استغل أهل البدع موقفك هذا؛ فجعلوك مدافعا عنهم، ومخاصما لهم، فجعلوا يصورون كتابك بالمئات، بل وبالآلاف، ويوزعون حسب ما بلغنا، فانظر من نفعت، وفي صف من وقفت بهذا الكتاب؟!! خامسا: وأنت بذلك استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير!! يعني وأنت أعلم، استبدلت بنصرة السلفيين، والدفاع عنهم نصرة المبتدعين، والدفاع عنهم شعرت أو لم تشعر، فقد حصل ذلك!! فانظر من هو الذي فرح بكتابك، ومن هو الذي آسف؟!! لا شك أنه قد فرح به الحزبيون، وآسف السلفيين؛ لذلك فإن السلفيين يدعون الله أن يردك إلى الحق ردا جميلا، ويسألونه أن يجعلك من المدافعين عن السنة، والذابين عنها كما جعلك من الناشرين لها. سادسا: لقد قرأت كتابك تخريج طرق حديث: (نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها إلى من لم يسمعها) قبل أكثر من ثلاثين سنة فأعظمتك، وازددت حبا لك، وما زلت أسمع أن لك درسا في الحديث، أو دروسا، وسمعت بعض حلقاته في الإذاعة في أيام قريبة، وسمعت انطلاقك في ترجمة رجال الأسانيد؛ فغبطتك، وتمنيت أن يوفقني الله لحفظ رجال الأسانيد مثلك. سابعا: وأنت بهذا الكتاب قد أدنت نفسك حينما تزعم أن الكلام في المبتدعة غيبة، وأنت تعلم أن الغيبة هي الذم المحض الذي لم يكن مقصودا به الدفاع عن الدين، أما ما قصد به الدفاع عن الدين فإنه لا يكون غيبة، وأنت لا بد أن تقول: فلان مرجئ، أو رمي بالإرجاء، وفلان كان يرى رأي الخوارج، وفلان قدري أو رمي بالقد ر... إلخ. فإن قلت: هذه غيبة، والغيبة حرام، فإنه يحرم عليك أن تغتاب الناس، وتأكل أحو مهم، وإن قلت: تجوز الغيبة إذا كان مقصودا بها الدفاع عن الدين؛ قلنا: وكذلك يجوز أن نقول: فلان مبتدع إذا قصدنا بذلك التحذير منه حتى لا تنتشر بدعته. ونحن معك أن من لم يعرف بالبدع لا يجوز الكلام فيه، فإن أحدث بدعة ونصح منها، وأبى أن يقبل هُجر، وترك. ثامنا: والأدلة على جواز الغيبة إذا قصد بها التحذير كثيرة، ورد ذلك في الكتاب والسنة، وقرره سلف ا لأمة من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من أئمة الأثر، وحماة الدين: فمن الكتاب: قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة:73]، وهذا شامل للمنافقين شفافا اعتقادنا، ونفس في عمليا، ومنهم المبتدعة. وأما من السنة: فما رواه البخاري برقم (6032) عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة. فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه، وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم تطلقت في وجهه، وانبسطت إليه؟!! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة: متى عهدتني فحاشا؛ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره)). وكذلك حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: ((أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته. فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له. فقال: ليس لك عليه نفقة. فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك. ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم؛ فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حللت فآذنيني. قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاملة بن أبي سفيان، وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد، فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة، فنكحته، فجعل الله فيه خيرا واغتبطت به)). ومثل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: ((دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل علي في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك، ويكفي بنيك)). ومن حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه: ((رأى رجلا يخيف، فقال له: لا تخلف، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف، أو كان يكره الخوف، وقال: إنه لا يصاد به صيد، ولا ينكى به عدو، ولكنها قد تكسر السن، وتفقأ العين. ثم رآه بعد ذلك يخذف، فقال له: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الخذف، أو كره الخذف، وأنت تخذف؟! لا أكلمك كذا وكذا)). ومثل ذلك عن أبي بكرة رضي الله عنه. وأما ما ورد عن السلف فهو شيء كثير، من ذلك ما حكي عن شعبة بن الحجاج أنه قال: تعالوا حتى نغتاب في الله عز وجل. وكذلك ما حكي عن عاصم الأحول رحمه الله، قال: كان قيادة يقصر بعمرو بن عبيد، فجثوت على ركبتي. فقلت: يا أبا الخطاب، هذه الفقهاء ينال بعضها من بعض؟ فقال: يا أحول، رجل ابتدع بدعة فيذكر خير من أن يكف عنه لا. وقال الحسن بن الربيع: قال ابن المبارك: المعلى بن هلال هو هو، إلا أنه إذا جاء الحديث يكذب. قال: فقال له بعض الصوفية: يا أبا عبد الرحمن تغتاب؟ قال: اسكت، إذا لم نبين كيف يعرف الحق من الباطل؟! وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: ما تقول في أصحاب الحديث يأتون الشيخ لعله يكون مرجئا أوشيعيا، أوفيه شيء من خلاف السنة؟ أيسعني أن أسكت عنه أم أحذر عنه؟ فقال أبي: إن كان يدعو إلى بدعة، وهو إمامهم فيها، ويدعو إليها قال: نعم تحذر عنه. وقال الحسن البصري رحمه الله: ليس لأهل البدعة غيبة. وقال عفان رحمه الله: كنا عند إسماعيل بن علية جلوسا فحدث رجل عن رجل، فقلت: إن هذا ليس بثبت، فقال الرجل: اغتبته، فقال إسماعيل: ما اغتابه، ولكنه حكم أنه ليس بثبت. وقال ابن تيميه رحمه الله في الفتاوى (ج 28/ 17 2): وأما إذا أظهر الرجل المنكرات، وجب الإنكار عليه علانية، ولم يبق له غيبة، ووجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك من هجر وغيره. وقال ابن الجوزي في مناقب ا لإمام أحمد بن حنبل (ص 185): وقد كان الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل لشدة تمسكه بالسنة ونهيه عن البدعة يتكلم في جماعة من الأخيار إذا صدر منهم ما يخالف السنة، وكلامه ذلك محمول على النصيحة للدين. اهـ وبالجملة؛ فالآثار عن السلف كثيرة، ولا يتسع هذا الجواب المختصر لبسطها، وهناك آثار عنهم تدعو إلى الإنكار على من ظهر منه ما يخالف ظواهر الشرع، وما يحتمل حقا وباطلا، أو يخلط بين سنة وبدعة. قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله في كتابه (درء تعارض العقل والنقل) (ج1/ ص 254): فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل، ويراعون أيضا الألفاظ الشرعية فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، ومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه، ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقا وباطلا نسبوه إلى البدعة أيضا، وقالوا: إنما قابل بدعة ببدعة، ورد باطلا بباطل. وقال في الفتاوى (ج 28/ ص 22): وجماع الدين شيئان: أحدهما: ألا نعبد إلا الله وحده. والثاني: أن نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى:{لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2]. وقال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه. قيل له: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خاليا صوابا، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة... إلى أن قال: فإذا كان المشايخ والعلماء في أحوالهم وأقوالهم المعروف والمنكر، والهدى والضلال، والرشاد والغي؛ عليهم أن يردوا ذلك إلى الله والرسول، فيقبلوا ما قبله الله ورسوله، ويردوا ما رده الله ورسولهم. اهـ علما بأن ديننا قام على ثلاثة أمور: أولها: ا لإيمان بالله. ثانيا: ا لأمر ما لمعروف. وثالثا: النهي عن المنكر. قال الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]. وفي صحيح مسلم من حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جده قال: ((بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا وعلى ألا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم)). وفي رواية بعد قوله: ((وألا ننازع الأمر أهله)): ((إلا أن تروا كفرا بواحا معكم من الله فيه برهان)). ومن هذه ا لأدلة يتبين أن الله عز وجل أمر عباده أبو يأمروا بالمعروف، وينهوا كن المنكر، وأن يقولوا بالحق أينما كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، وهذا هو الذي دفعني أن أقول بالحق الذي أعلمه، وهو أني قلت: إن الشيخ عبد المحسن من أهل السنة لا نقول فيه شيئا؛ ولكنه أساء بتأليف هذا الكتاب، ولهذا فرح أهل البدع وجعلوا يوزعونه بكميات كبيرة. تاسعا: لعلك تقول: أنا لم أقصد السكوت عن المبتدعة، ولم أطلب من أحد السكوت عنهم؛ وإنما أردت أن أخفف من حدة الاتهامات الحاصلة بين السلفيين. وأقول: إن الوا جب عليك وعلى غيرك ممن يتكلم في أمر مثل هذا أن يميز في الحكم بين السلفيين والحزبيين حتى يتبين حكم كل جماعة على حدة، لا سيما وأن الخوارج هذا الزمان اتخذوا التقية والنفاق ديدناً لهم، فتراهم عند الولاة منسجمين معهم والأسرار يعلمها الله. عاشرا: قلت: ((موقف أهل السنة من العالم إذا أخطأ أنه يعذر؛ فلا يباع، ولا يهجر))، أتيت يا شيخ بتراجم لثلاثة من العلماء السابقين وهم البيهقي، والنووي، وابن حجر، وهؤلاء وقعوا في تأويل بعض الصفات، ولهم مؤلفات عظيمة ومفيدة. ولذلك رأى أهل السنة والجماعة أن الناس بحاجة إلى الاستفادة من كتبهم في غير ما وقعوا فيه من البدعة، فيحذر طلاب العلم من بدعهم، ويستفاد من كتبهم في غير المجال الذي أخطئوا فيه، أما القول بأنهم عذروا -أي: بأن أهل السنة عذروهم فيما تأولوه من الصفات، وحذروا من إطلاق البدعة عليهم- فلا فيما أعلم. ثم ضربت مثلا بالشيخ الألباني من المعاصرين، والشيخ الألباني من أهل السنة انفرد بأشياء من قبيل الاجتهادات التي ربما يقال بأنه شذ بها مع أنها مبنية على أدلة اقتنع بها هو، فتمثيلك به تمثيل في غير محله إذ إن الكلام في هجر المبتدع والألباني ليس بمبتدع، وحاشاه أن يبتدع، وهو مساكن للسنة والآثار آناء الليل وآناء النهار، تخريخا، ونقدا، وتصحيحا وتضعيفا، فليتك لم تذكره في بحثك هذا. ثم أتيت بأقوال لبعض السلف مجملة، ولم تعرج على ما ملئت به الكتب من هجر المبتدع ولا بد أنك قرأت تلك الكتب أو بعضها وهي: الإبانة الكبرى لابن بطة، والإبانة الصغرى له، وشرح السنة للالكائي، وكتاب السنة لابن أبي عاصم، والشريعة الآجري، وغيرها من الكتب التي دونت الآثار عن السلف في هجر المبتدع. وأقول: يا شيخ إن سكوتك عن تلك الآثار يجعلك محجوبا أمام الله قبل الناس، أنسيت يا شيخ أن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله أمر بهجر حسين بن علي الكرابيسي، وعدم الأخذ عليه، وعدم قراءة كتبه؛ فترك ولم يأته أحد رغم غزارة علمه. وأمر بهجر سهل بن عبد الله التستري الذي كان يقال له: سهل القصير، وعدم قراءة كتبه فتركه أهل الحديث. وأبى أن يدخل عليه داود بن علي الظاهري. وهجر أهل السنة الحسن بن صالح بن حي لما علموا ببدعته. لا أدري يا شيخ أنسيت هذه الآثار أم تناسيتها؟ وإني لأنصحك يا شيخ، وأنصح نفسي باتباع آثار السلف والسير على نهجهم وعلى طريقتهم، وأنت تعلم يا شيخ أن الخطأ الذي يحصل من أحد الشيوخ في الأحكام الفرعية التي يسوغ فيها الاجتهاد فهذا الذي يعذر فيه قائله، ولا يبدع، ولا يهجر، والخطأ الذي يبدع صاحبه ويهجر هو الذي في العقيدة، ولا نعلم أن السلف عذروا أحدا ابتدع في العقيدة بدعة وعذروه. الحادي عشر: أنت قلت: ((إن السلفيين انقسموا إلى قسمين من أجل رجلين))، والذي يظهر أنك تقصد بالرجلين هم الشيخ ربيعا بن هادي المدخلة، وأبا الحسن السليماني المأربي. وأنا أقول لك: إن المسألة مسألة حق ينصر ويؤيد، وباطل يشجب ويبين بطلانه، وهذا اتهام منك للسلفيين من علماء وطلاب علم اتهام منك لهم بالعمالة والعصبية الممقوتة، العصبية التي نجاهم الله منها بقوله- جل من قائل-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}[المائدة:8]. وفي حديث عبادة المتفق عليه: ((وأن نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم)). هذا وأمثاله هو الذي حتم علينا أن نقول الحق، وإن ترتب على قوله غضب بعض الأطراف. أتراني يا شيخ عبد المحسن نسير على منهج أهل الجاهلية الذين يقول بعضهم: وهل أنا إلا من غزية إن غوت *** غويت وإن ترشد غزية أرشد ويقوله بعضهم لمسيلمة حين سأله: صاحبك يأتيك في نور أو في ظلمة؟ قال: في ظلمة، فقال له: والله إنك لكذاب ولكذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر. أترانا مثل هؤلاء الأجلاف الضالين، وقد أنار الله قلوبنا بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؟ تبا لمن فعل ذلك وسحقا، ثم تبا له وسحقا. ثم إن الرجلين الذين انقسم أهل السنة من أجلهما -حسب قولك- يستحيل أن يكونا جميعا على حق، ويكون كل منهما ضد الآخر، ويلزم من ذلك أن يكون أحدهما على حق والآخر على باطل، والباطل الذي مع الآخر إما أن يكون باطلا محضا، أو باطلا مشوبا بحق، ومعلوم أن الله تعالى أمرنا باتباع الحق ونصره ونصر أهله: { اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3]. وقال- جل من قائل-: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [لأنعام: 153]. وقال كليم: ((انصر أخاك ظالما أو مظلوما. فقال: هذا إذا كان مظلوما، فكيف أنصره إذا كان ظالما؟ قال: تردعه عن ظلمه)). فالله أمرنا باتباع شرعه؛ لأن فيه الحق الصافي الخالص من اللبس ذلك ؛ لأن الله ذم الباطل وأهله، ونهانا عن لبس الحق بالباطل، وعن كتمان الحق، فقال: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [لبقرة: 42]. وقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 71]. ومن درس ما عليه الرجلان تبين له ما يأتي: أولا: إن الشيخ ربيعا معروف بدعوته إلى السنة، مع معرفته التامة لها، وجهاده من زمن طويل من أجلها. ثانيا: أن الشيخ ربيعا قد ألف مؤلفات معظمها في الرد على من خالفوا السنة دفاعا عنها وجهادا في سبيلها، ولم نعلم أنه خالف الأدلة في مسالة واحدة، وقد شهد له الألباني رحمه الله بذلك. أما أبو الحسن فهو شاب غرير ألف كتابا أو كتابين لم يتمحض فيها للحق ويمشي فيها مع الأدلة، بل لوحظت عليه ملاحظات هذا من حيث وضع كل منهما العام. أما من حيث الوضع الخاص الذي بدأ قبل سنتين؛ فإنا نجد أن أبا الحسن يشكك في حجية خبر الآحاد إذا صح على القواعد الاصطلاحية، وهذه مخالفة لأهل السنة والجماعة، وأخذ بقول المعتزلة ومن نحا نحوهم. ثانيا: يرى حمل المجمل على المبين في كلام العلماء، وهذه مخالفة لما عليه السلف أيضا في أنه لا يحمل المجمل على المبين إلا في كلام المعصوم صلى الله عليه وسلم. ثالثا: يزدري ويحتقر أهل السنة، ويلمع ويعظم المبتدعة، فهو يقول في أهل السنة: (غوغائيين)، و(أقزام)، و(قواطع صلصة)، و(صغار)، وغير ذلك من ألفاظ التحقير. أما المبتدعة فهم عنده جبال، ولما قيل له عن المغراوي قال: كيف أزيل الجبل الأشم؟ رابعا: أنه يعتذر للمبتدعة؛ فمثلا سيد قطب الذي قرر في مقدمة سورة الحجر أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم قد ارتدت عن الدين كلها، وأنه لا يوجد فيها دولة مسلمة، ولا مجتمع مسلم قاعدة التعامل فيه شريعة الله، قال ذلك في (ج 4/ 2122)، وقرر في سورة يونس أن مساجد المسلمين معابد وثنية، وفسر سورة الإخلاص بوحدة الوجود. خامسا: يعتذر للمغراوي التكفيري. سادسا: ينزل على المبتدعة، ويتلقاه المبتدعة في كل مكان ينزل فيه، ولا يأنس إلا إليهم. سابعا: سئل عن الإخوان المسلمين: هم من أهل السنة والجماعة؟ قال: نعم. ثامنا: شهد رجال من أهل العلم الموثوق بعلمهم أنهم جربوا عليه الكذب في أشياء كثيرة. هذه حال أبي الحسن فكيف نقول: انقسم أهل السنة إلى قسمين من أجل رجلين؟ ومفهوم هذا الكلام الذي قلته لي في المكالمة أن الرجلين كلاهما مع أهل السنة، فهل يصح أن نقول أن أبا الحسن من أهل السنة مع ما عنده من الفواقر؟!! الجواب: لا. وهل يصح أن أتباعه من أهل السنة؟!! الجواب: لا. وإن كنت تعتقد أن أبا الحسن وأتباعه من أهل السنة فنحن نأسف لذلك، وننصحك بالتراجع عن مثل هذا القول. قلت في (ص 44): ((فتنة التجريح والهجر من بعض أهل السنة في هذا العصر حصل في هذا الزمان انشغال أهل السنة ببعض تجريحا وتحذيرا وترتب على ذلك التفرق والاختلاف والتهاجر...)) إلخ. إلى أن قلت: ((ويعود ذلك إلى سببين: أحدهما: أن من أهل السنة في هذا العصر من يكون ديدنه وشغله الشاغل تتبع الأخطاء والبحث عنها سواء كانت في المؤلفات أو الأشرطة، ثم التحذير ممن حصل منه شيء من ذلك)). وأقول: إن هذا منقبة، وليست مذمة؛ فلقد كانت حماية السنة منقبة عند السلف، نعم عند الشباب السلفي غيرة؛ إذا وجدوا مخالفة للسنة في مؤلف أو في شريط، أو رأوا من أهل السنة من يمشي مع المبتدعة بعد النصح أنكروا ذلك ونصحوه أو طلبوا من بعض المشايخ نصحه، فإذا نصح ولم ينتصح هجروه وهذه منقبة لهم، وليست مذمة لهم. ثم قلت: ((ومن هذه الأخطاء التي يجرح بها الشخص ويحذر منه بسببها تعاونه مع إحدى الجمعيات بإلقاء المحاضرات أو المشاركة في الندوات، وهذه الجمعية قد كان الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين-رحمهما الله- يلقيان عليها المحاضرات عن طريق الهاتف، ويعاب عليها دخولها في أمر قد أفتاها به هذان العالمان الجليلان)). اهـ وأقول: هذه الجمعية هي جمعية إحياء التراث في الكويت يرأسها عبد الرحمن عبد الخالق وعنده دخائل وعليه ملاحظات. ومن كلامه ولمزه للسلفيين قوله: ((فإنه ما زال المسلمون إلى يومنا هذا يطلع عليهم بين الحين والآخر من يزعم نصر الدين، وقول كلمة الحق، فيترك أهل الأوثان والشرك والإباحية والكفر، ويعمل قلمه في المسلمين، بل وجدنا منهم من لا هم له إلا مشاغلة الدعاة إلى الله والتعرض لهم بالسب والتشهير، وتأليف الرسائل في بيان مثالبهم...)) إلخ. وهذا طعن في السلفيين وعيب لهم وذم لطريقتهم في الإنكار على المبتدعة، ويقصد بالدعاة إلى الله، في قوله: ((بل وجدنا منهم من لا هم له إلا مشاغلة الدعاة إلى الله)) يقصد الإخوانيين، والسروريين، والقطبيين، والتكفيريين، والخوارج الذين يعدون العدة للخروج. وقد كانوا ينكرون إذا قلنا مثل هذا، أما الآن فقد فضحهم الله بما حصل من التفجيرات والاكتشاف للذخائر والمؤن التي يعدونها للخروج، بل إن عبد الرحمن عبد الخالق من كلامه ما يدل على أنه تكفيري هو نفسه؛ قوله في تكملة هذا المقطع الذي ابتدأ من نقله: ((وهذا من أكبر الآثام، ومن أكبر النواقض لأصل الإيمان ا لأصيل، وهو أصل الولاء))، فهو يزعم أن الكلام في المبتدعة ناقض للإسلام، وهذه طريقة التكفيريين. وهذا الذي نقلته قد نقلته من كتاب (القدوات الكبار بين التعظيم والانبهار) تأليف محمد موسى الشريف (ص 66-67)، وقد عزا هذا المقطع الذي نقلت بعضه إلى رسالته (الولاء والبراء) له -يعني لعبد الرحمن عبد الخالق-. وأخيرا يا شيخ عبد المحسن أقول: إن محاضرة الشيخ ابن باز، وابن عثيمين، في هذه الجمعية في زمن قديم لا يزكي هذه الجمعية فلعلهما حاضرا قبل أن يعلما أن فيهما ما يخل، وبالله التوفيق. وأنت ترى عدم الامتحان للأشخاص، وتزعم أنه بدعة، واعلم- علمك الله- أن النبيصلى الله عليه وسلم امتحن الجارية بقوله لها: ((أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة)). وقال بعض السلف: ((علامة أهل البدعة الوقيعة في أهل الأثر)). وقالوا: ((إذا رأيت الكوفي يقع في سفيان الثوري فاعلم أنه شيعي، وإذا رأيت المروزي يقع في عبد الله بن المبارك فاعلم أنه جهمي)). وقالوا: ((من أخفى عنا بدعته لم تخف علينا ألفته))، أي أنه يعلم بذلك أنه مبتدع بمن يصاحب ومن يألف؛ لأنه لا يصاحب ويألف إلا من رضي طريقتهم. وأخيرا: هذه نصيحة مختصرة من أخ لأخيه أحببت تنبيهكم فيها على بعض الأمور، وأسأل الله- جل شأنه- أن يصلح أحوال الجميع، وأن يسددنا إلى ما فيه الخير في الدنيا والآخرة، إنه سميع قريب. ونسأل الله أن يعصمنا من العصبية الممقوتة، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه ومقصودا بها رضاه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسـول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين :
سألتني بارك الله فيك عن الخوارج وحالهم، وهل من يقوم بأعمال التخريب اليوم منهم أم لا؟، وما أوجه الشبه بينهم ، فـــأقول:
الخــوارجمن الفرق المنحرفة عن السبيل، التي خرجت أولى علاماتها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، عندما قال ذو الخويصرة التميمي: (يا محمد اعدل !!) فأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقال: (ويحك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟!) ثم أخبر: (أنه يخرج من ضئضئ هذا أقوام تحقِرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية!) وفيما قال: (كلاب النار، كلاب النار، كلاب النار) (شرُّ قتلى تحت أديم السماء) (لئن لقيتهم لأقتلنَّهم قتل عاد) (طوبى لمن قتلهم أو قتلوه) (لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم لنكلوا عن العمل) (سفهاء أحلام، حدثاء أسنان يقولون من قول خير البرية ، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة) (يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء) (يتقفرون العلم تقفرا) (سيماهم التحليق والتسبيد) (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) (يخرجون على حين فرقة من الناس) (هم شر الخلق والخليقة) (يخرج آخرهم مع الدجال!).
كل هذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في خبر الخوارج، والأحاديث في وصفهم أكثر، بل لم يروَ في ذكر خبر الفرق المخالفة في الإسلام أكثر ولا أصح من أحاديث الخوارج! هذا إن لم يقل بأنه لم يصح في الباب غيرها! وقد جمع أهل العلم أحاديثهم في مظانها، ولعلكم تراجعونها في "جامع الأصول" [10/76-93] وفي غيره.
فإذا كان مبدء خروجهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وشككوا في ذمته وعدله، ثم استفحل شرهم في عهد عثمان ذي النورين، وشككوا في أمانته وعدله، بل واقتحموا عليه الدار وقتلوه، ومثّلوا به، واستباحوا حرمة دمه وماله ودينه! ثم جردوا السلاح ضد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم! وكفروا علياً رضي الله عنه وأحبطوا عمله! ويرون بأنهم أولى بالحسنيين! وأن رواحهم إلى الجنة.
وعندما ضرب أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه أحدهم بالسيف ، قال له: (خذها إلى النار وبئس القرار!) ، قال الخارجي: (ستعلم غداً من منّا أولى بها صلياً !!).
فإذا كان هذا حالهم مع أكمل الخلق وأطهرهم طريقة، فلا يستغرب ما يحصل اليوم من أتباعهم مع من هم عرضة للخطأ والتقصير، وما مرّ زمان إلاّ ومنهم فلول، تجتمع أحياناً ثم تفترق أحايين! حتى (يخرج الدجال!) كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم! وما من خليفة من خلفاء الإسلام وحكامها إلاّ ولقي من أذية الخوارج ما لقي سواء بالسيف أو باللسان والتحريش!
والذين يقومون اليوم بالعمليات التخريبية، وكذا الذين من قبلهم من الذين يؤلّبون الناس على الحاكم، ويوغرون صدورهم عليه: لا يشك صاحب سنة عالم عاقل بأنهم: (خوارج مارقة) .
ولعل نتائج أعمالهم حققت أوصافهم، وصدق انتسابهم إلى هذا الفكر المنحرف وإن رفضوا ذلك، وعامة من كابر بادئ الرأي، وأنكر وصفهم بالخروج، وخبث طويتهم، اعترف اليوم بذلك، وأنكر منهم أشد النكير، وهذا مما يميّز صاحب السنة العالم العاقل عن غيره، لأن الفتنة إذا أقبلت يعرفها العلماء، وإذا تغشت الناس وأدبرت عرفها عامة الناس،
ولهذا ما أوسع علم ابن مسعود رضي الله عنه عندما رأى أقواماً يتعبدون الله تعالى في المسجد على غير ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال مقولته المشهورة: (إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن أقواماً سيخرجون يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، وأيم الله ما أدرى لعل أكثرهم منكم) ، وما دارت الأيام والليالي إلاّ ويحصل ما قاله العالم العاقل ابن مسعود رضي الله عنه، وشهد بذلك من شهد الواقعتين وهو عمرو بن سلمة حيث قال: (رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج) .
وهكذا الحال اليوم : فكم صرّح علماؤنا الأجلاء بخروج أهل التعيير والتشهير، ونصيحة الفضيحة، وتوغير القلوب، من قبل هذه الوقائع بسنواتٍ عديدة، ومع ذلك ما أشد أذية الحمقى لهم!! ورفضهم لقبول هذه الحقائق الكونية! فرحم الله العلماء ما أعظم فضلهم على الناس، وما أشد أذية الناس لهم!
واليـــــــــــــوم:
من نظر إلى طريقة القوم ، وقرنها بطريقة أسلافهم من الخوارج المارقة ، يقف حتما على مبلغ التوافق العجيب! وخذ من ذلك:
[1] الخوارج الأوائل: شككوا في أمانة النبي صلى الله عليه وسلم وعدله ! وأمانة عثمان وعدله ، ووصفوه بالاستبداد ، وهكذا هم اليوم يصنعون مع حكامنا !
[2] الخوارج الأوائل: قاموا بدعوى نصرة التوحيد الجهاد، وتحكيم الشريعة، وكفروا علياً ومعاوية وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم بذلك، ورأوا أن أعمالهم قد حبطت.
وهكذا هم اليوم : كفروا حكامنا ، وعلماءنا ، ووصفوهم بالطواغيت ، وقالوا عن الشيخ ابن باز: ( رأس الردة ! وعمود الكفر! وذنب الحكام!) وقالوا: (بلغ مرحلة من الخرف والسفه مما جعله لا يقبل قوله) وقالوا: (علماء السلاطين) وقالوا (أقل ما يقال فيهم أنهم فسّاق!).
[3] الخوارج الأوائل: يزوّرون الكتب، والأقاويل على لسان أهل العلم، وأنها تعضد طريقتهم، [ البداية والنهاية :10/277] [10/281] [10/340] .
وهم اليوم: يزورون الكتب، وينسبون أنفسهم إلى أهل التوحيد والسنة من الأحياء والأموات!! ويستشهدون بكلام الإمام ابن تيمية وهم أبعد الناس عن طريقته، وبكلام الشيخ محمد بن عبدالوهاب وهم أبعد الناس عن حقيقته، وبكلام أئمة الدعوة وهم الذين رضوا بحكم آل سعود وناصروهم حتى أقاموا دولتهم. [4] الخوارج الأوائل: يقومون بالمظاهرات والمسيرات ضد الحاكم! [البداية:10/280] .
وهم اليوم كذلك .
[5] الخوارج الأوائل: يسعون إلى الانقلاب على الحاكم فضلاً على أن يناصحوه ، كما دخلوا على عثمان رضي الله عنه، وحاصروا داره، وقالوا للناس: من كفّ يده فهو آمن! [البداية :10/280] .
وهم اليوم كذلك ، وأطلقوا الحرب للحاكم بل وحكومته بل وشعبه المناصر له !!
[6] والخوارج الأوائل : يفترون على الحاكم ما لم يقل، ونسبوا إلى عثمان كتاباً، ووضعوا عليه خاتماً كخاتمه!! [ البداية : 10/280 ] .
وهم اليوم: كذلك يفترون على الحكام بشتى أنواع الأكاذيب أو على أقل تقدير ما لم يأتوا عليه ببينة! ويزورون الوثائق، والجوازات، وغير ذلك .
[7] الخوارج الأوائل: من مزيد ظلمهم ومبلغ حقدهم على الحاكم يسمونه بأسماء زعماء اليهود والنصارى، كما سموا عثمان رضي الله عنه بـ : نعثل! [ البداية :10/282] [10/307] وربما قلبوا اسمه، كما صنع الراسبي؛ فما كان يسمي علياً رضي الله عنه باسمه! وإنما يسميه بـ: الجاحد، من شدة بغضه عليه [ البداية :10/591] .
وهم اليوم : يسمون الحاكم بـ : ( بوش العرب ) أو ( البابا يوحنا ! ) و ( آل سلول ) .
[8] الخوارج الأوائل : يسبون الحكام على المنابر! كما صنع ابن عديس في شتمه لعثمان رضي الله عنه على المنبر! [ البداية :10/297] .
وهم اليوم كذلك: بالتصريح ، وبالتلميح!
[9] الخوارج الأوائل: يصرحون بكفر الحاكم مهما كان له من فضائل، فعندما دخلوا على عثمان وقتلوه، وهو على مصحفه، قد أصابه بعض دمه، قال أحدهم: ما رأيت كاليوم وجه كافرٍ أحسن! ولا مضجع كافرٍ أكرم! [ البداية :10/307] .
وهم اليوم: لم يلتفتوا إلى محاسن حكام المسلمين ، وما رعى الله بهم من المصالح، وحفظ بهم من الحقوق، وحقن بهم من الدماء، وصان بهم من أعراض، ومع ذلك كفروهم.
[10] والخوارج الأوائل: يستبيحون المحرم لتحقيق مطلبهم! وقالوا: الذي أباح لنا دم عثمان كيف يحرم علينا ماله؟! وأخذوا كل شيٍ حتى الأقداح [البداية:10/307 ] ويسفكون الدماء، ويقطعون السبل، ويستحلون المحارم [ البداية :10/584] .
قال ابن كثير مؤيداً قتال علي رضي الله عنه للخوارج: (وفيه خيرة عظيمة لهم ، ولأهل الشام أيضاً ، إذ لو قووا هؤلاء لأفسدوا الأرض كلها عراقاً وشاماً ، ولم يتركوا طفلاً ولا طفلة ولا رجلاً ولا امرأة لأن الناس عندهم قد فسدوا فساداً لا يصلحهم إلاّ القتل جملة ..) [البداية:10/584-585] .
وهم اليوم: يفعلون كل محرم من أجل تحقيق مطلبهم! يسرقون! يحلقون! يكذبون! يفترون! يلبسون لباس النساء! يقتلون الدماء المعصومة لمصلحة عظمى عندهم وهي قتل كافر أو رجل أمن! ويرون بأنه لا (إصلاح) إلاّ (بالسلاح!) .
[11] الخوارج الأوائل: يقاتلون الحاكم في حقيقة الأمر لشيٍ في أنفسهم لا لله عز وجل ونصرة لدينه، كما صنع عمرو بن الحمِقِ حين جلس على صدر عثمان بعد ما طعن من قبل، فطعنه تسع طعنات! وقال: أما ثلاث منهن فلله، وستٍ لما كان في صدري عليه! [البداية:10/309 ] .
وهم اليوم كذلك: فما يفرحون بخير حباهم الله به ، ولا يحزنون بأمرٍ أصابهم ! .
[12] الخوارج الأوائل: يبحثون عن إسقاط الحاكم في الزلة على كل وجهٍ! فعندما نسبوا إلى عثمان رضي الله عنه أنه كتب فيهم كتاباً، وأنكر ذلك قالوا له: إن كنت كتبته فقد خنت! وإن كنت لم تكتبه فقد عجزت! ومثلك لا يصلح للخلافة: إما لخيانتك وإما لعجزك! [البداية:10/311 ] وتأمل رد ابن كثير فما أحسنه .
وهم اليوم كذلك: حتى فيما يفعلونه من تخريب! فيستبيحون ما يقومون به من أعمال تخريبية، ومن جانب آخر يصيح السفيه من جانبٍ آخر ويقول: هذا فيه دليل على عدم أهلية الحاكم ، وانفلات الأمن! وكلهم مبطل كذاب!
[13] الخوارج الأوائل: أن الخوارج لا يموتون – غالباً – إلاّ بشر قتلة، وعلى أردى حال، وقد أقسم بعض السلف أنه ما مات أحد من قتلة عثمان إلاّ مقتولاً! قيل إجابة لدعوة سعد بن أبي وقاص عندما قال: (اللهم أندمهم ثم خذهم) [البداية:10/320 ]
وهم اليوم: بعدما استباحوا الدماء المعصومة ، وقتلوا الرجال والنساء والأطفال ، وقنت عليهم المسلمون في جنح الظلام : ماتوا أخس ميتة ، وقتلوا شر قتلة : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ (الكهف:103-104) .
[14] الخوارج الأوائل: مع ما توهب لهم من عطايا وأموال، يتكبرون ويسألون الله التغيير والتبديل! قال سعيد بن المسيب: كانت المرأة في زمان عثمان تجئ إلى بيت المال، فتحمل وقرها، وتقول: اللهم بدل ، اللهم غيّر! [البداية: 10/336] .
وهم اليوم: على ما وهبوا في هذه البلاد من نعم كثيرة ، ومن إعانات، ومن أنعام لا تحصى في الجملة ، وربما بعضهم موظف في (حكومتهم) أكل من أموالهم ، واشتد بها عوده ، ومنهم من تدعمه الدولة : بإذن دعوة ! ، أو بنشر كتابٍ ، أو بتدريس ٍ في جامعة أو مدرسةٍ ، أو بإقامة مركز ، أو بترتيب مخيمٍ ، ثم يقول: (اللهم غيّر، اللهم بدل!) .
أنشد حسان رضي الله عنه :
قلتم بدّل فقد بدلكم سنة حرّى وحرباً كاللهبِ
ما نقمتم من ثيابٍ خلفةٍ وعبيدٍ وإماءٍ وذهب ؟! .
[15] والخوارج الأوائل: يعتبون على الحاكم اجتهاداته الشرعية، ويستغلونها لإسقاطه ، وتوغير القلوب ضده، كما عتبوا على عثمان تحريق المصاحف! وإتمام الصلاة في منى [البداية:10/395] .
وهم اليوم: ما إن يرى الحاكم رأياً للخلاف فيه نظر ، وللاجتهاد فيه مسوّغ : إلاّ وطاروا بمخالفته ، وقالوا : هذا تبديل لشرع الله !! ، وحكم بغير ما أنزل الله ! .
[16] الخوارج الأوائل: يتأولون كلام الحاكم وفعله على غير ما يريد! كما صنعوا مع عليٍ رضي الله عنه! قال ابن جرير: ( ثم جعلوا بعد ذلك يعرضون له في الكلام، ويسمعونه الشتم، ويتأولون تآويل في كلامه!) [ البداية :10/569] .
وهم اليوم: كذلك ، وكل ما يصدر منهم يقلب على أقبح الأوصاف: حرب للإسلام، تجفيف لمنابع الدين، تعطيل للجهاد، استنزاف للأموال! نهب لمدخرات البلاد!
[17] الخوارج الأوائل: ينزلون آيات الكفر على حكام المسلمين! كما قال أحدهم لعلي رضي الله عنه وهو في الصلاة : ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾(الزمر: 65) ، فقرأ علي رضي الله عنه : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (الروم:60) [البداية:10/569 ] .
[18] الخوارج الأوائل: يجهلون مسائل الحكم بغير ما أنزل الله، ويكفرون الحاكم بما ليس منها بمكفرٍ! وقالوا لعلي رضي الله عنه: (يا عليّ أشركت!! في دين الله الرجال ، إن الحكم إلاّ لله!) [ البداية :10/570] .
وهم اليوم كذلك!
[19] الخوارج الأوائل: يأخذون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض!
فتمسكوا بقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِله﴾(الأنعام: 57) ، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾(المائدة: 44) ونزلوها على غير تنزيلها، وأجملوا، وعمموا في الدليل والحكم! ولما ناظرهم ابن عباس – رضي الله عنهما – أتم لهم الدليل، ونقض لهم الحكم، وكشف جهلهم! وأتى لهم بالأدلة التي حكم الله فيها حكم الرجال، فحكم الرجال بحكم الله من حكم الله!
وهم اليوم كذلك: في مسائل عدة؛ حتى أن أحدهم أطلق مرة الحكم بأن كل من حرم ما أحل الله : فهو كافر ! ، فقال له صاحب السنة ، وما تقول في قوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(التحريم:1)، فبهت الذي فجر!، ثم طغى وكفر وقال: يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم كفر ثم تاب الله عليه!
[20] الخوارج الأوائل: يتحزبون إلى أشخاصٍ – وإن كانوا صالحين! وكل منهم يطلب أن تكون الولاية لصاحبه! [ البداية :10/398] .
وهم اليوم: كل حزبٍ يدعو إلى أولوية (زعيمه) بالولاية! وهم من أبعد الناس عن الصلاح والتقى، والعلم والهدى، بل : والعقل وحصافة الرجال!
[21] الخوارج الأوائل : يفضحون، ويشهِّرون، ويكفرون، ويهددون، وقال زرعة بن البرج لعلي رضي الله عنه: أما والله يا عليّ لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لأقاتلنَّك اطلب بذلك وجه الله ورضوانه!) [البداية:10/577 ].
وهم اليوم كذلك: حرموا من النصيحة والإصلاح الشـرعي! وجنحوا إلى التعيير والتشهير والتهديد، ومن ثمّ إلى التخريب والتدمير ، واستباحة المحرمات!
[22] الخوارج الأوائل: يدعون إلى مهاجرة أرض الإسلام! كما قال عبدالله بن وهب الراسبي -وهو منهم-: (اخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها، إلى جانب هذا السواد، إلى بعض كور الجبال، أو بعض هذه المدائن، منكرين هذه الأحكام الجائرة .. ) [البداية:10/578] .
وهم اليوم كذلك: ومنهم من هو أسوأ من الخوارج الأوائل حيث جمز إلى أرض الكفار، واستنصر بهم، وعاش تحت ولايتهم، ودان باتباع أنظمتهم، وتحاكم إلى شريعتهم، وهيئوا له السبل لحرب الإسلام والمسلمين! فاستبدل صوت المآذن، وخلو الأرض من الأوثان والكنائس ومعابد الكفر، وهاجر إلى أرضٍ يعلو فيه الصليب، وتدندن فيها أجراس الكنائس، ويكفر فيها بالله علانية، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ (النساء:97- 99) ، و قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (العنكبوت:56).
ويتشدقون بأنهم هربوا من: سياسة القمع، ومن ظلم الحكومات!
[23] الخوارج الأوائل: خرجوا بمسمى الجهاد والتوحيد، وإنكار المنكر، ووجوب تحكيم شرع الله، قال الراسبي: فأشهد أهل دعوتنا من أهل قبلتنا أنهم قد اتبعوا الهوى، ونبذوا حكم الكتاب، وجاروا في القول والعمل، وأن جهادهم حق على المؤمنين!) [البداية:10/578-579].
وبالله عليك : اقرأ هناك كلام ابن كثير بعده فما أجمله ولولا خشية الإطالة لنقلته كاملاً .
وهم اليوم كذلك .
[24] الخوارج الأوائل: يدّعون أن مقتولهم في الجنة، ويستبشرون به، وكانوا يتنادون يوم النهروان (الرَّواح الرَّواح إلى الجنة!) [البداية:10/587 ] .
وهم اليوم كذلك ، وينشدون (الأهازيج) و(زفَّة الشهيد) إلى الحور العين في الجنة !!
[25] الخوارج الأوائل: يرون بأن من قتلوه في النار كائناً من كان! حتى أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه وهو من أجل الصحابة لما ضرب أحدهم بالسيف فأنفذه من ظهره قال له: أبشر يا عدو الله بالنار! فقال له الخارجي: ستعلم أيّنا أولى بها صليا! [البداية:10/588 ] .
وهم اليوم كذلك: وما يرون الناس إلاّ من جثى جهنم ! .
[26] الخوارج الأوائل: يستبيحون دماء أهل الذمة والعهود ، قال عبدالله بن شداد: والله ما بعث إليهم – يعني علياً رضي الله عنه – حتى قطعوا السبل، وسفكوا الدماء ، واستحلوا أهل الذمة ..) [ البداية :10/567] .
[27] الخوارج الأوائل: لا يحترمون العلماء، وربما طعنوا في ذممهم وأمانتهم! بل ربما غمزوا علمهم، حتى قالوا في ابن عباس وهو ترجمان القرآن: هذا ممن يخاصم في كتاب الله بما لا يعرفه! بل ربما غمزوا فيهم بترف اللباس والزينة والمسكن! كما صنعوا أيضاً مع ابن عباس رضي الله عنهما واستنكارهم عليه لبسه للحلة ، [البداية:10/569] .
وهم اليوم كذلك، ويرون أن ما عندهم من أموال ما هي إلاّ من الرشوة التي يأكلونها من حكامهم، والله موعدهم ، جميعاً ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (الزمر:31) .
[28] الخوارج الأوائل: يخرجون على حين فرقة من الناس، كما جاء في الحديث الصريح.
وهم اليوم كذلك: فبلادنا خاصة، والبلاد الإسلامية عامة تتعرض لأشد حملة حربية وإعلامية على الإسلام في العصور المتأخرة، في وقتٍ نحن أحوج فيه إلى تقويم الصفوف، وإعداد العدة، وجمع الكلمة، فصاروا هم الحرب علينا، وهم سلاح العدو الذي ينطلق بين ظهرانينا!
[29] الخوارج الأوائل: حدثاء أسنان، سفهاء أحلام! كما صرّح به في الحديث .
وهم اليوم: كذلك ، لم يعرفوا بعلمٍ ولا أدب ولا طلبٍ، وليس منهم من اشتد عوده في الإسلام، وعامتهم من أوغل في الدين بشدّة، ولن يشاد هذا الدين أحد إلاّ غلبه!
[30] الخوارج الأوائل: يزداد مروقهم من الدين يوماً بعد يوم! مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم : (يمرقون من الدين ثم لا يعودون إليه) .
وهم اليوم تزداد دائرة شرهم وضلالهم: بدءوا بطلب إخراج جنود الكفر، ثم اتسعت الدائرة إلى كل مشرك! ثم اتسعت الدائرة إلى إعلان الحرب ضدهم، ثم اتسعت الدائرة إلى قتال من يذب عنهم من رجال الأمن، ثم اتسعت الدائرة إلى كل رجال الأمن، ثم اتسعت الدائرة إلى كل من دان بالولاء لحكام هذه البلاد! وربما تتسع الدائرة حتى ينتهكون الأعراض والحرمات كما حصل يوم الحرة، وما حصل في الجزائر موعظة لمن تدبر.
أما سؤال السائل عن كفرهم،
فأهل العلم اختلفوا في الحكم عليهم بالكفر، والصواب فيهم التفصيل بحسب حالهم ! ، فمن استحل المحرمات ، واستباح قتل المسلمين ، وحكم بكفرهم جميعاً إلاّ من هم على شاكلته ، فهذا لا شك في كفرهم ، وخلاف من خالف في تكفير الخوارج لا يعني هؤلاء قطعاً .
أما من خرج على السلطان ، وشق عصا الطاعة ، بتأويل سابغ ، وشبهة عارضة فهؤلاء هم البغاة ، ويشملهم مسمى الخروج لا حقيقة حكم الخوارج ،
والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾(الحجرات: 9)، ولهذا لا يجهز على جريحهم ، ولا تستباح أموالهم ، ولا نسائهم وذراريهم ، ويكف عمّن كفّ منهم .
والكلام محل بسطه في غير هذا المقام ، وقد تكلم أهل العلم في أحكام أهل البغي في كتب العقيدة والفقه، فلتراجع، مع وصيتي لكل من أراد معرفة مبلغ خطر هذه الفرقة، وشدة ضلالهم أن يقرءوا كتب التاريخ، وكيف حال الخوارج مع الحكام، وحال العلماء مع الحكام، منذ عصر الصحابة حتى العصور المتأخرة،
فلا يعرف بالخروج والمشاغبة على حكام المسلمين إلاّ أرذل الناس وأجهلهم ،
ولم يعقبوا الإسلام إلاّ كل بلية، ولم يلحقوا به إلاّ كل رزية ، ولو شاء ربك ما فعلوه ،
والله حسبنا ونعم الوكيل ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .